علي الهجويري

285

كشف المحجوب

« الجمع هو ما اجتمع عليه أهل العلم والتفرقة هي ما اختلفوا فيه » وعندما يستخدم الصوفية كلمة « التفرقة » في حديثهم وشروحهم يستخدمونها مشيرين إلى الأعمال الإنسانية والمكاسب مثل الخضوع ويستخدمون الجمع مشيرين إلى المنح الإلهية أو المواهب مثل المجاهدة والمشاهدة . فكل ما يمكن الحصول عليه عن طريق الخضوع فهو مفرقة أما ما هو موهبة من اللّه وهداية منه سبحانه فهو « جمع » ومما عظم اللّه به الإنسان أنه مع بقاء أعماله واستمرار خضوعه ، يمكنه أن يغير بفضل اللّه من قصور عمله ويراها قائمة على كرمه تعالى ، فيعتمد بكليته على اللّه ، ويعزو كل صفاته وأعماله تعالى لا لنفسه كما قال جبريل للنبي في الحديث القدسي « لا يزال عبدي يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت له سمعا وبصرا ويدا ومؤيدا ولسانا بي يسمع وبي يبصر وبي ينطق وبي يبطش » « 1 » . ومعنى هذا أنه عندما يذكرني ينتشى بذكره لي ويفنى كسبه فلا يذكره ويطغى ذكرى على ذكر نفسه وتزول عن إدراكه آدميته وعندئذ يصبح ذكرى ذكره ويصبح في حال غلبة مثل أبى يزيد عندما قال : « سبحانى سبحانى ما أعظم شأني » . لقد كانت هذه الكلمات ظاهر عبارته أما المتحدث فهو اللّه ولذلك قال النبي صلّى اللّه عليه وسلم : « الحق ينطق على لسان عمر » « 2 » . والحقيقة أنه عندما تسيطر القدرة الإلهية على الإنسانية تنقل الإنسان من حالته بحيث كلامه كلام اللّه ولا يعنى هذا أي امتزاج بين اللّه ومخلوقاته أو أي اتحاد أو إنه يحل في الأشياء تعالى اللّه عن ذلك وعما يلصقه الملحدون به علو كبيرا . وقد يحدث عندئذ أن تسيطر محبة اللّه على قلب عبده ولغلبتها وإفراطها يكون عقل العبد وطبيعته بحيث لا يحتمل هذه النشوة وعندئذ يفقد كل قدرة على الكسب . وتسمى هذه الحالة « جمعا » فحينما كان الرسول صلّى اللّه عليه وسلم

--> ( 1 ) رواه البخاري في الصحيح والطبراني في الكبير . ( 2 ) رواه أحمد والترمذي وأبو داود . .